أبي منصور الماتريدي
395
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - صفة مسجد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وكانوا نحو أربعمائة رجل لا منزل لهم ، فمن كان من المسلمين عنده فضل أتاهم به إذا أمسوا ، والمساكين هم الطوافون الذين يسألون الناس . وجه الدلالة : أن شدة فقر أهل الصفة معلومة بالتواتر ، فلما فسر ابن عباس - وهو ترجمان القرآن - الفقراء بهم وفسر المساكين بالطوافين ، ثم ثبت أن أحوال المحتاج الذي لا يسأل أحدا شيئا أشد من أحوال المحتاج الذي يسأل الناس ويطوف عليهم - ظهر أن الفقير يجب أن يكون أسوأ حالا من المسكين . الوجه السادس : أن الناس اتفقوا على أن الفقر والغنى ضدان ، كما أن البياض والسواد ضدان ، ولم يقل أحد : إن الغنى والمسكنة ضدان بل قالوا : إن الترفع والتمسكن ضدان ، فمن كان منقادا لكل أحد خائفا منهم متحملا لشرهم ساكنا عن جوابهم متضرعا إليهم ، قالوا : إن فلانا يظهر الذل والمسكنة وقالوا : إنه مسكين عاجز ، أما الفقير فجعلوه عبارة عن ضد الغنى ، وعلى هذا فقد يصفون الرجل الغني بكونه مسكينا إذا كان يظهر من نفسه الخضوع والطاعة وترك المعارضة ، وقد يصفون الرجل الفقير بكونه مترفعا عن التواضع والمسكنة ، فثبت أن الفقر عبارة عن عدم المال ، والمسكنة عبارة عن إظهار التواضع ، والأول ينافي حصول المال ، والثاني لا ينافي حصوله . والوجه السابع : قوله صلى اللّه عليه وسلم لمعاذ في الزكاة : « خذ من أغنيائهم وردها على فقرائهم » ولو كانت الحاجة في المساكين أشد لوجب أن يقول : وردها على مساكينهم ؛ لأن ذكر الأهم أولى . فهذه الوجوه تدل على أن الفقير أسوأ حالا من المسكين . ومهما يكن من أمر هذا الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة في الفقير والمسكين فلا يترتب على هذا الخلاف ثمرة في الزكاة ؛ لأن أبا حنيفة يجوز صرف الزكاة لصنف واحد بل لشخص واحد من صنف ، لكن يظهر في الوصية للفقراء دون المساكين أو المساكين دون الفقراء ، وفيمن أوصى بألف للفقراء ومائة للمساكين ، وفيمن نذر أو حلف ليتصدقن على أحد الصنفين دون الآخر . وقال قوم آخرون : إن الفقير والمسكين لا فرق بينهما في المعنى وإن افترقا في الاسم ، وإلى هذا ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك ، وروي عن أبي يوسف ورجحه الجلال ، قال : لأن المسكنة لازمة للفقر ؛ إذ ليس معناها الذل والهوان ، فإنه ربما كان بغنى النفس أعز من الملوك الأكابر بل معناها العجز عن إدراك المطالب الدنيوية ، والعاجز مساكن عن الانتهاض إلى مطالبه ، لكن ظاهر الآية يدفع أنهما متحدان ويدل على أنهما مختلفان ؛ لأن العطف يقتضي التغاير . وحكى ابن بطال أن الفقير هو الذي يسأل ، وأن المسكين الذي لا يسأل ويتعفف عن السؤال ؛ لما روي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « ليس المسكين الذي ترده الثمرة والثمرتان ولا اللقمة واللقمتان ، إنما المسكين الذي يتعفف » ، اقرءوا إن شئتم : لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [ البقرة : 273 ] فظاهر الحديث أن المسكين من اتصف بالتعفف وعدم الإلحاف في السؤال . وقال الشوكاني : والذي ينبغي أن يعول عليه أن يقال : المسكين : هو من اجتمعت له الأوصاف التي في الحديث ، والفقير من كان ضد الغنى كما في الصحاح والقاموس وغيرهما من كتب اللغة ، فيقال لمن عدم الغنى : فقير ، ولمن عدمه مع التعفف عن السؤال وعدم تفطن الناس له : مسكين ؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن به فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس » . والذي لا خلاف فيه أن من كان عنده من المال ما يكفيه أو عنده من القدرة على الكسب ما يفي بحاجاته فهو الغني الذي لا تحل له الصدقة ، فعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : -